الاهتمام بالمصالح لا المواقف
/
قيل لسقراط: هل من إنسان لا عيب فيه ؟ قال: لو كان إنسان لا عيب فيه لكان لا يموت. يعتبر مبدأ ( ركِّز الاهتمام على المصالح وليس على المواقف ) هو المبدأ الثاني من مبادئ مشروع التفاوض في جامعة هارفارد، حيث يدعو هذا المبدأ إلى أن يوجه المُحاور أو المفاوض تفكيره وجهده إلى التأكيد على المصالح لا على المواقف. ويُقصد بالمصالح هي تلك الحاجات والرغبات والاهتمامات والأهداف المرجوة، وكذلك هي المخاوف والمحاذير والتحديات التي تواجه المحاور.
إن العقلاء والمقنعين المهرة قد يغضوا الطرف عن بعض المواقف السلبية ويجعلوا تركيزهم على المصالح والحاجات الحقيقية ، إذ قد تصدر بعض المواقف غير الحكيمة من بعض الجهلاء أو البسطاء أو المضطهدين أو غيرها ، فلا ينبغي التعامل معهم بالمثل ، لأنك إن فعلت ذلك نفروا منك ورفضوا ما تدعوهم إليه.
لقد كان رسول الله (صلى الله عليه وسلم) يقدِّر كثيراً مصالح الناس وحاجاتهم ويتصرف بناءً عليها حتى لو أنهم لم يحسنوا التصرف ولم يوفقوا في التعامل ، ما دامت النيات صادقة ، فهو يلبي حاجاتهم ثم يوجههم ويعلمهم . فعن أنس (رضي الله عنه) قال: كنت أمشي مع رسول الله (صلى الله عليه وسلم) وعليه بُردٌ نجراني غليظ الحاشية ، فأدركه أعرابي ، فجبذه بردائه جبذة شديدة ، فنظرتُ إلى صفحة عاتق النبي (صلى الله عليه وسلم) وقد أثرت بها حاشية البرد ، من شدة جبذته ، ثم قال: يا محمد ، مُرْ لي من مال الله الذي عندك!! فالتفت إليه ، فضحك ، ثم أمر له بعطاء ”. ( متفق عليه )
لقد التفت النبي (صلى الله عليه وسلم) إلى حاجة هذا الأعرابي ومصلحته ولم يتوقف كثيرًا عند موقفه السلبي غير المؤدب معه ، بل أحسن إليه وأكرمه بالعفو عن إساءته ، وبالضحك في وجهه، وبإجزال عطائه ، إذ أمر أن يُحمل له على بعير شعيراً وعلى آخر تمراً ، ولسان حاله ما قاله القائل:
بشاشة وجه المرء خير من القِرَى
فكيف بمن يعطي القِرَى وهو يضحك
ولو تأملت إلى موقف النبي (صلى الله عليه وسلم) مع الأعرابي الذي بال في مسجد رسول الله (صلى الله عليه وسلم) لوجدت مستوى رفيعًا لتعامل رسول الله (صلى الله عليه وسلم) ، وكيف أن الموقف ليس هو كل شيء بالنسبة لرسول الله (صلى الله عليه وسلم). فعن أبي هريرة (رضي الله عنه) قال: بال أعرابي في المسجد ، فقام الناس إليه ليقعوا فيه ، فقال النبي (صلى الله عليه وسلم) : دعوه ، وأريقوا على بوله سَجْلاً من ماء أو ذنوباً من ماء ، فإنما بُعثتم ميسرين ولم تبعثوا معسرين ”. ( رواه البخاري ) وبعد أن انتهى الأعرابي من إكمال بولته قام النبي (صلى الله عليه وسلم) فعلَّمه أدب التعامل مع المسجد ، وأرشده إلى أن هذا الفعل لا يجوز في دين الله ، فلما علم الأعرابي ذلك انتهى ولم يعد إلى هذا العمل أبداً.
إن الأعرابي كان لا يعرف حرمة المسجد ، ولا الآداب الاجتماعية، لحداثة عهده بالإسلام ، وبال في طرف المسجد على الرمل ، ظناً منه أنه لا حرج في ذلك ، فلما همَّ بعض الصحابة أن يبطشوا به منعهم رسول الله (صلى الله عليه وسلم) وأمرهم أن يصبوا على بوله سَجْلاً أو ذنوباً ( أي دلواً ) من ماء. وفي بعض الروايات أنه بعد أن نبهه الرسول (صلى الله عليه وسلم) بلطف إلى خطأ ما فعل ، قال الأعرابي وهو خارج من المسجد : اللهم ارحمني ومحمداً ، ولا ترحم معنا أحداً (1).
وتعال إلى موقف شديد عصيب واجهه رسولنا وحبيبنا محمد (صلى الله عليه وسلم) ، فلم يلتفت إليه النبي (صلى الله عليه وسلم)، بل ركَّز على المصلحة العامة وجعلها هي الأساس التي يبني عليها تعامله مع الناس ، إنه يوم الطائف ، وما أدراك يوم الطائف. فعن عائشة (رضي الله عنها) أنها قالت للنبي (صلى الله عليه وسلم) : “ هل أتى عليك يوم كان أشد من يوم أحد ؟ قال: لقد لقيت من قومك، وكان أشد ما لقيت منهم “ يوم العقبة ”، إذْ عرضتُ نفسي على ابن عبد ياليل بن عبد كُلال، فلم يجبني إلى ما أردت، فانطلقت وأنا مهموم على وجهي، فلم أستفق إلا وأنا بقرن الثعالب ، فرفعت رأسي ، فإذا أنا بسحابة قد أظلتني، فنظرتُ فإذا فيها جبريل (عليه السلام) ، فناداني فقال: إن الله تعالى قد سمع قول قومك لك ، وما ردوا عليك، وقد بعث إليك مَلَكَ بالجبال لتأمره بما شئت فيهم. فناداني مَلَكُ الجبال ، فسلَّم علي ثم قال : يا محمد ، إن الله قد سمع قول قومك لك، وأنا ملك الجبال، وقد بعثني ربي إليك لتأمرني بأمرك ، فما شئت: إن شئت أطبقت عليهم الأخشبين.
فقال النبي صلى الله وسلم : “ بل أرجو أن يُخرج الله من أصلابهم مَن يعبد الله وحده لا يشرك به شيئاً ”. ( متفق عليه )
نعم ، إن يوم العقبة ( وهو غضبة عند الطائف ) هو يوم عصيب شديد على النبي (صلى الله عليه وسلم) ، إذْ لما اشتد عليه أذى صناديد قريش بعد وفاة زوجته خديجة (رضي الله عنها) وعمه أبي طالب، خرج إلى الطائف يستنجد بأهلها ويطلب منهم النصر والحماية ، فردّوه أقبح ردّ ، وأغروا به سفهاءهم وصبيانهم يرمونه بالحجارة ، حتى أدموا قدميه الشريفتين ، ونال منهم ما نال من ضروب السفه والأذى (2).
ولما وصل النبي (صلى الله عليه وسلم) إلى قرن الثعالب ، ورأى جبريل عليه السلام وعرض عليه مَلَكُ الجبال أن يسحق المشركين بسبب هذا الإيذاء الشديد الذي مارسوه ، وذلك بأن يطبق عليهم الأخشبين ( أي الجبلين الغليظين المحيطين بمكة ) رفض النبي (صلى الله عليه وسلم) أن يصدر قراره بإهلاكهم نتيجة موقفهم السيء ، وركِّز اهتمامه على مصلحة أعظم وهي إيمانهم وإيمان ذريتهم من بعدهم. ومن المواقف الرائعة لرسولنا محمد (صلى الله عليه وسلم) والتي تدل على اهتمامه الكبير بالحاجات والمصالح أكثر من تركيزه على المواقف التي قد لا تكون موفقة وصائبة ، هو موقفه مع أبي رفاعة تميم بن أسيد الذي قاطع خطبة النبي (صلى الله عليه وسلم) وسأله عن الإسلام.
فعن أبي رفاعة تميم بن أسيد (رضي الله عنه) قال: انتهيت إلى رسول الله (صلى الله عليه وسلم) وهو يخطب ، فقلت: يا رسول الله ، رجل غريب ، جاء يسأل عن دينه ، لا يدري ما دينه، فأقبل عليَّ رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، ترك خطبته حتى انتهى إلي ، فأُتي بكرسي ، فقعد عليه ، وجعل يعلمني مما علَّمه الله ، ثم أتى خطبته فأتم آخرها”. ( رواه مسلم ) وروى البخاري في صحيحه ( حديث رقم 2390 ) من حديث أبي هريرة (رضي الله عنه) أن رجلاً تقاضى رسول الله (صلى الله عليه وسلم) ، فأغلظ له ، فهمَّ به أصحابه ، فقال النبي (صلى الله عليه وسلم) : “ دعوه ، فإن لصاحب الحق مقالاً ، واشتروا له بعيراً فأعطوه إياه ” ، قالوا: لا نجد إلا سناً أفضل من سنه ، فقال النبي (صلى الله عليه وسلم) : “ اشتروه فأعطوه ، فإن خيركم أحسنكم قضاءً ”.
فرغم الموقف الغليظ الشديد من هذا الرجل إلا أن النبي (صلى الله عليه وسلم) يتوقف عندها ، وإنما توقف عند ما هو أهم، وهي المصلحة ، والتي كانت متمثلة في إرجاع الحقوق إلى أصحابها وعدم الاعتداء عليها وأنه لا كبير على القضاء والعدل. وانظر كذلك إلى موقف الخليفة العباسي المقتفي لأمر الله مع الشيخ عبد القادر الجيلاني ، وكيف أن التركيز على المصالح يحفظ البلاد وينجي العباد ويقضي على الظلم والظالمين .
يذكر صاحب عقلاء المجانين ( ص 109 ، 202) أن الشيخ عبد القادر الجيلاني وقف ذات مرة على منبره محاسباً المقتفي لأمر الله ومنكراً عليه تولية يحيى بن سعيد المشهور بابن المزاحم الظالم القضاء ، فقال: وليت على المسلمين أظلم الظالمين ، فما جوابك غداً عند رب العالمين أرحم الراحمين ؟ فارتعد الخليفة المقتفي لأمر الله وعزل ابن المزاحم. لو أن الخليفة المقتفي لأمر الله كان تركيزه على المواقف لأمر بعقاب الشيخ عبد القادر الجيلاني، ولأصر على الإبقاء على ابن المزاحم، ولأدخل البلاد والعباد في فتنة هو وهم في غنى عنها، ولكن اهتمامه في تلك اللحظة وفي ذلك الموقف على مصلحة البلاد والعباد جعله يتخذ القرار الصائب (3).
-------------------------------------
- الهوامش:
(1) محمد علي الصابوني ، شرح رياض الصالحين ، الأفق للطباعة والنشر ، بيروت ، 2002 ، ص 257.
(2) محمد علي الصابوني ، شرح رياض الصالحين ، الأفق للطباعة والنشر ، بيروت ، 2002 ، ص 256-257.
(3) مصطفى مراد ، قصص الصالحين – 300 قصة وقصة من حياة الصالحين ، دار الفجر للتراث ، القاهرة ، 2002 ، ص 158.
|